انغراس الجنين هو العملية التي يلتصق فيها الجنين، بعد نحو 7 أيام من الإخصاب، ببطانة الرحم ليبدأ الحمل. وبعد ذلك يبدأ الجنين في النمو، وتبدأ معه الهياكل التي تتيح تغذيته، مثل الكيس المحّي والمشيمة.
إضافة إلى ذلك، يبدأ إفراز هرمون بيتا (hCG)، وتبدأ المرأة في الشعور بأولى أعراض الحمل. من ناحية أخرى، لكي يتمكن الجنين من الانغراس في بطانة الرحم ويؤدي إلى حمل مستمر في التطور، لا بد أن تكتسب هذه الطبقة الرحمية خصائص معينة من حيث السُّمك والمظهر.
1- شروط الانغراس
لا يحدث انغراس الجنين في كل دورة شهرية، حتى مع حدوث الجماع دون وسائل منع الحمل خلال أيام الخصوبة؛ إذ لا بد من تهيئة البيئة الرحمية المناسبة ليتمكن فيها كلٌّ من بطانة الرحم والجنين من التفاعل معاً.
العوامل المتعلقة بالجنين
لكي يتمكن الجنين من الالتصاق بطانة الرحم، يجب أن يكون في مرحلة الكيسة الأرومية. في هذه المرحلة من نموه، يحتوي على حوالي 70-200 خلية ويتكون من جزأين متمايزين جيداً:
الكتلة الخلوية الداخلية: هي مجموعة الخلايا الموجودة في داخل الجنين، ومنها يتكوّن الجنين نفسه
الأرومة الغاذية (الطبقة الخارجية): هي الخلايا التي تحيط بالجنين من الخارج، ومنها تتكوّن المشيمة وباقي الأجزاء التي تربط الجنين بالأم وتغذّيه. وقبل أن ينغرس الجنين في الرحم، لا بد أن يخرج من الغلاف الرقيق الذي يحيط به (ويُسمّى المنطقة الشفافة)، كما يخرج الكتكوت من قشرة البيضة، وأن يكون قد وصل إلى أقصى حجم له. وتُسمّى هذه المرحلة «الكيسة الأريمية الفاقسة»، أي الجنين الذي خرج من غلافه وأصبح جاهزاً للالتصاق بالرحم.

ومن العوامل المهمة جداً في نجاح الانغراس أيضاً جودة الجنين، أي مدى سلامته وقدرته على النمو. ولا يمكن تقييم جودة الجنين إلا في حالات أطفال الأنابيب (الحقن المجهري)، لأن الجنين يتكوّن في المختبر ويستطيع الأطباء فحصه قبل إرجاعه إلى الرحم. أما في الحمل الطبيعي، حيث يحدث الإخصاب داخل قناة فالوب (الأنبوب الذي يصل بين المبيض والرحم)، فلا بد أيضاً أن ينتقل الجنين بشكل سليم من هذه القناة إلى الرحم حتى يتمكن من الانغراس فيه.
عوامل تتعلق ببطانة الرحم
بطانة الرحم هي الطبقة الداخلية التي تبطّن الرحم من الداخل، وهي تتجدد كل شهر استعداداً لاستقبال الجنين واحتضانه خلال الحمل. ولهذا السبب، إذا لم يحدث انغراس، تتساقط هذه البطانة وتخرج من الجسم كل شهر على شكل الدورة الشهرية.
وخلال الدورة الشهرية، تزداد سماكة بطانة الرحم شيئاً فشيئاً وتتغير بفعل الهرمونات الأنثوية، وهي هرمون الإستروجين وهرمون البروجسترون.
ولكي ينغرس الجنين، يجب أن تكون بطانة الرحم مهيّأة لاستقباله، أي في حالة «استعداد». ويتحقق ذلك عندما يكون سُمكها بين 7 و14 ملم، وتظهر في الأشعة التلفزيونية (السونار) بشكل «ثلاثي الطبقات»، أي على هيئة ثلاثة خطوط واضحة.

بالإضافة إلى ذلك، من الضروري أيضًا التعبير عن جزيئات معينة في الرحم، مثل السيتوكينات و الإنتغرينات (بروتينات على سطح بطانة الرحم تعمل كمشابك تساعد الجنين على الالتصاق بها) وجزيئات الالتصاق وعوامل النمو، والتي تكون مسؤولة عن الوساطة في حوار وثيق مع الجنين.
متى يحدث الانغراس؟
كما ذكرنا سابقاً، لا يستقر الجنين في الرحم إلا عندما تكون بطانة الرحم مهيّأة لاستقباله. وتُسمّى هذه الفترة من الدورة الشهرية «نافذة الانغراس»، وتستمر نحو 4 أيام تقريباً.
وعند معظم النساء، تكون نافذة الانغراس بين اليوم 19 واليوم 21 من الدورة الشهرية (بحساب أول يوم من الدورة هو اليوم الأول). وفي هذا الوقت، إذا حدث الإخصاب، يكون عمر الجنين نحو 6 أو 7 أيام، ويكون جاهزاً للانغراس.
ومع ذلك، هناك نساء تكون «نافذة الانغراس» لديهن في وقت مختلف عن المعتاد، أي أنها تأتي أبكر أو أتأخر من الأيام المعتادة. وقد يؤدي ذلك إلى فشل الانغراس وتأخر الحمل.
باختصار، يحدث الانغراس في وقت محدد من الدورة الشهرية، عندما تتحول بطانة الرحم بفعل الهرمونات من حالة «غير مستعدة» إلى حالة «مستعدة» لاستقبال الجنين، ويكون هناك توافق في التوقيت بين جاهزية الجنين وجاهزية بطانة الرحم.

مراحل الانغراس
بعد أن يبدأ «الاتصال» بين الجنين وبطانة رحم الأم، تبدأ عملية انغراس الجنين واستقراره في الرحم. وعادةً ما يحدث ذلك في الجزء الأوسط من الجدار الخلفي للرحم.

وفي القسم التالي، سنشرح كل مرحلة من المراحل التي تمر بها عملية الانغراس.
مرحلة الفقس، خروج الجنين من غلافه والاستعداد للانغراس
في اليومين الخامس والسادس من عمر الجنين، يبدأ الجنين بـ«الفقس»، أي الخروج من غلافه الخارجي المسمّى «المنطقة الشفافة»، وهو غشاء بروتيني رقيق يحميه في أيامه الأولى بعد الإخصاب.
ومع ازدياد حجم الجنين، يصبح هذا الغلاف أرقّ شيئاً فشيئاً حتى يتشقّق في النهاية. ثم ينجح الجنين في الخروج منه عبر سلسلة من الانقباضات (حركات تمدد وانكماش)، ويبدأ بالتواصل مع بطانة الرحم.

في حالات أطفال الأنابيب، يمكن إرجاع أجنّة قد خرجت من غلافها بالفعل إلى الرحم، إما لأن الجنين خرج من غلافه بنفسه أثناء وجوده في المختبر، أو لأن الطبيب ساعده على ذلك بإجراء يُسمّى «المساعدة على الفقس»، وفيه يُحدث فتحة صغيرة في غلاف الجنين لتسهيل خروجه. وقد يساعد هذا الإجراء على زيادة فرص انغراس الجنين. وإذا كنتِ ترغبين في معرفة المزيد عن هذا الموضوع، يمكنك قراءة المقال التالي: المساعدة على الفقس قبل إرجاع الأجنّة.
مرحلة التموضع (اتخاذ المكان المناسب)
في هذه المرحلة، يبحث الجنين عن المكان المناسب له على بطانة الرحم، ثم يستقر فيه دون حركة، ويتّجه بحيث تكون «الكتلة الخلوية الداخلية» (الخلايا التي سيتكوّن منها الجنين) مواجهةً لبطانة الرحم، وذلك حتى تتكوّن المشيمة لاحقاً بشكل سليم.

وهنا يُعتقد أن ما يُسمّى «البينوبودات» (Pinopodes) تؤدي دوراً مهماً، وهي نتوءات صغيرة تبرز من سطح خلايا بطانة الرحم، وتساعد الجنين على الاقتراب من البطانة والتلامس معها.
وتُعدّ هذه النتوءات علامة واضحة على أن بطانة الرحم أصبحت مستعدة لاستقبال الجنين، إذ إنها لا تظهر إلا خلال «نافذة الانغراس»، ثم تختفي في حدود اليوم الرابع والعشرين من الدورة الشهرية.
مرحلة الالتصاق
في هذه المرحلة، تلتصق الطبقة الخارجية للجنين (الأرومة الغاذية) بسطح بطانة الرحم، ويثبت الجنين في مكانه بمساعدة مواد تُسمّى «جزيئات الالتصاق»، وهي تعمل مثل المشابك التي تربط الجنين بالبطانة. ومن هذه الجزيئات: الإنتغرينات (β1 وβ3 وβ4)، والسيليكتينات من النوع L، والبروتيوغليكانات، والفيبرونكتينات، وغيرها.

ويحدث ذلك بعد نحو 7 أيام من الإخصاب، حين يكون قطر الجنين قد بلغ 300 إلى 400 ميكرومتر، أي ما يقارب ثلث إلى نصف ملّيمتر تقريباً.
مرحلة التوغّل
في هذه المرحلة، تتكاثر خلايا الطبقة الخارجية للجنين (الأرومة الغاذية) وتنمو باتجاه بطانة الرحم، فتُزيح الخلايا الموجودة على سطح البطانة، ثم تتعمّق داخل النسيج الداعم للبطانة حتى تصل إلى دم الأم.
وتتحكم في عملية التوغّل هذه كلها مواد تُسمّى «السيتوكينات»، وهي تعمل كوسيط بين الجنين وبطانة الرحم، وتتيح «التواصل» بينهما أثناء الانغراس.
واستجابةً لهذا التواصل، ينشط الجنين، وتبدأ طبقته الخارجية بالانقسام إلى نوعين من الخلايا، يُسمّيان: «الأرومة الغاذية الخلوية» و«الأرومة الغاذية المخلوية»، ولكلٍّ منهما دور في تكوين المشيمة لاحقاً.

بعض خلايا الطبقة الخارجية للجنين تُفرز مواد خاصة (إنزيمات) تساعده على فتح طريق داخل بطانة الرحم، حتى يدخل فيها بالكامل ويستقر.
وأثناء دخول الجنين، قد يحدث جرح بسيط جداً في البطانة، فتلاحظ بعض النساء نزول قطرات دم خفيفة. ويُسمّى هذا «نزيف الانغراس»، وهو أمر طبيعي، لكن بعض النساء يظنّنه دورة شهرية جاءت في غير موعدها.
وقد يبدو انغراس الجنين في الرحم أمراً بسيطاً، لكنه في الحقيقة عملية دقيقة ومعقدة، وما زال العلماء يكتشفون تفاصيلها حتى اليوم.
أعراض انغراس الجنين
كما ذكرنا سابقاً، عندما يدخل الجنين في بطانة الرحم، قد تنزل كمية قليلة من الدم تُسمّى «نزيف الانغراس». ويكون هذا الدم أخفّ من دم الدورة الشهرية، ومدته أقصر. ومع ذلك، تخلط كثير من النساء بينه وبين الدورة الشهرية.
ومن التغيّرات التي تحدث أيضاً بعد الانغراس ارتفاع هرمون الحمل (hCG)، وهو الهرمون الذي تكشفه تحاليل الحمل، إلى جانب ارتفاع هرموني الإستروجين والبروجسترون. ولهذا قد تشعر المرأة ببعض الأعراض، مثل الغثيان والتعب وألم أو حساسية في الثدي، وغيرها.
لكن عدم الشعور بأي أعراض بعد الانغراس لا يعني أن هناك مشكلة. فكل امرأة تختلف عن الأخرى، وغياب الأعراض لا يعني أن الانغراس لم يحدث.

ماذا تفعلين لتساعدي على انغراس الجنين؟
انغراس الجنين عملية طبيعية ومعقدة تحدث داخل جسم المرأة من تلقاء نفسها. ومع أنه لا توجد طريقة سحرية تضمن نجاح الانغراس، إلا أن هناك بعض العادات الصحية التي تساعد على تهيئة الجسم ليكون في أفضل حال:
- حافظي على نشاطك دون إجهاد: لا داعي للراحة التامة في السرير. يكفي أن تتجنّبي حمل الأشياء الثقيلة، والمجهود الشديد، والرياضات العنيفة. والمشي الهادئ خيار ممتاز.
- اهتمّي بغذائك: احرصي على غذاء متوازن غني بالخضروات والفواكه والأطعمة الصحية (مثل نظام البحر المتوسط الغذائي). وأكثري من مصادر أوميغا 3 (مثل السمك)، وفيتامينات ب، وحمض الفوليك، واشربي الماء بكثرة.
- ابتعدي عن الحرارة العالية والمواد الضارة: توقّفي تماماً عن التدخين. ويُفضّل أيضاً تجنّب الساونا وحمّام البخار والاستحمام بماء ساخن جداً، لأن ارتفاع حرارة الجسم في هذه الفترة غير مفيد لكن احرصي على الاستحمام لتجنب الاتهابات.
- خفّفي من التوتر: القلق لا يمنع الحمل بشكل مباشر، لكن التوتر المستمر يرفع هرمون التوتر (الكورتيزول)، وقد يؤثر ذلك على توازن الهرمونات في الجسم. ويمكن أن تساعدك أشياء بسيطة مثل التأمّل، أو القراءة، أو شغل وقتك بأنشطة تحبّينها.
- التزمي بتعليمات الطبيب (إذا كنتِ تتلقّين علاجاً): إذا كنتِ تخضعين لعلاج مثل أطفال الأنابيب، فإن الالتزام الدقيق بالأدوية التي وصفها الطبيب (مثل البروجسترون) هو أهم ما يمكنك فعله لدعم بطانة الرحم.
المصادر
Predictive factors for embryo implantation potential.
Experimental models for investigating implantation of the human embryo.
Physiological and molecular determinants of embryo implantation.
What is the contribution of embryo-endometrial asynchrony to implantation failure?



